وأنا أتابع تصريحات مدرب منتخب مصر عقب هزيمة فريقه أمام الأرجنتين مستدعياً في تبريرها كواليس الغرف المظلمة وصنّاع الأسواق الكبرى الذين أرادوا – قسراً – تعبيد طريق المجد لميسي استوقفني الأمر لا اهتماماً بما قيل فبكل انحياز وطني رياضي لا ينبض وجداني إلا لراية وطني ولا أتقاسم لوعة الهزيمة ولا نشوة النصر مع أي جغرافيا أخرى بل لأنني استحضرت شريطاً طويلاً من المظالم الصارخة التي تجرعها منتخبنا الوطني بمختلف فئاته.
تذكرت تلك الليلة المشؤومة التي ضاع فيها منا اللقب الإفريقي في عقر دارنا بأسلوب بلطجي فج ليغادر يومها أكثر من اثنين وستين ألف مشجع مدرجات الملعب وهم يتدثرون بصمت رهيب.
لم يكن صمت انكسار بل صمتاً كظيماً يختزن غصة قهر
واختلاس تزامنت مع دموع لاعبينا وفي مقدمتهم البطل براهيم دياز
دموع لم تفجرها مرارة العثرة الكروية بل فجّرها الإحساس بالغدر
ومع ذلك.. كان صبراً جميلاً ترفعنا عن الأنين وتحملنا الطعنة بصدور عارية وكبرياء من دون أن تخرج مؤسساتنا لتملأ المنابر صراخاً أو عويلاً.
إنها الذات الوطنية الشامخة التي تكرر معها المشهد في الرباط حين تجرع منتخبنا للسيدات ظلماً تحكيمياً صارخاً في نهائي كأس إفريقيا فكتمنا الغيظ ومضينا بثقة..وفي نصف نهائي مونديال قطر وتحت أنظار العالم بأسره حُرمنا من حلم بلوغ النهائي بعد حالتين تحكيميتين رأى عدد من خبراء التحكيم أنه كان ينبغي احتساب هما ومع ذلك عدنا بصمتنا المعهود الذي يربك الخصوم.
نبتسم في وجه الظلم ونضمد جراحنا بعزة نفس وحتى انتصاراتنا المستحقة لم تسلم من محاولات الشيطنة والتبخيس من بعض الأصوات في محيطنا
لكننا لم نلتفت إليها ولم نعلّق عثراتنا يوماً على مشاجب الفيفا أو الكاف بل كنا في كل مرة ننهض من كبوة الطيبة الزائدة لنعود أشد بأساً وأكثر صلابة.
فتلك الطيبة المستغلة تحوّلنا إلى كتل من الإقناع الصامت نثبت للعالم من خلالها أننا ننتزع مكانتنا والصدارة بالجدارة والعمل حتى في أعز لحظات الظلم… والظلام.
فهل نحن استثناء؟
نعم..
وبكل فخر واعتزاز.. نحن الاستثناء الصامد في هذا العالم الصاخب.
حين ننتصر لا نسكر بخمرة الفوز بل نعتبره عتبة أولى في طريق الألف ميل.
وحين ننهزم بشرف نستيقظ في الصباح التالي لننفض الغبار ونباشر تصحيح الأخطاء في صمت.
وحين نُظلَم في واضحة النهار نصمت… لا خوفاً ولا عجزاً بل لنعود إلى قلاعنا الحصينة فنحصّنها ونسدّ ثغراتها بإحكام حتى لا تتسلل منها أيادي العابثين والظالمين مرة أخرى.
ذلك هو استثناؤنا المغربي الخالص نعمل في صمت ونفرح بمنجزاتنا بكبرياء ملوكي.
نتقبل الهزيمة العادلة بروح الفرسان ونبتسم في وجه المظلمة ابتسامة الواثق.
قد يسلبون منا مباراة في غفلة من الزمن وقد يحرموننا من كأس بقرار جائر لكنهم لن يسلبونا أبداً هذه العقيدة الصلبة.
سنواصل المسير بخطى راسخة تحت ظلال المجد والألق تاركين للآخرين متعة الضجيج وبكائيات الأطلال ولنا شرف السير.. ومتعة المسير.
يوسف غريب كاتب صحفي



