دلالات غياب المغرب في التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة
التأمت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء 02 مارس للتصويت على مشروع قرار يدين التدخل العسكري لروسيا في أوكرانيا. والمتعارف عليه هو أن خيارات التصويت لدى الدول التي تحضر هذا الاجتماع للجمعية العامة تكون موزعة بين التأييد والرفض والامتناع. إلا أن المملكة المغربية ارتأت طريقا آخر للتعبير عن موقفها من الأحداث الأخيرة والذي يتجلى في عدم حضور هذا الاجتماع. فما هي دلالات هذا القرار؟
قرار المملكة المغربية بعدم حضور اجتماع الجمعية العامة هو قرار سيادي وفهم حيثياته له أكثر من مدخل. أول هذه المداخل هو أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة تُتخذ بالتصويت وليست لها القوة الإلزامية، بمعنى أنها قرارات لا سبيل لإلزام المعني بها بتطبيق منطوقها ولا بنودها لأنها قرارات ليست قابلة للتنفيذ، بل هي مجرد توصيات ذات طابع رمزي ولا يمكن أن تؤثر في مسار تسوية النزاعات. لذلك نجد أن تصويت الدول على مثل هذه القرارات خاضع لحساباتها السياسية ومصالحها الاستراتيجية وطبيعة تحالفاتها وربما يخضع لضغوطات من قبل الدول العظمى. فالحسابات السياسية تكون حاضرة بقوة في تصويت الجمعية العامة، وهي بكل تأكيد حسابات تتحكم في طبيعة التصويت بعيدا عن القضية المطروحة وبنود القرار. فهي حسابات فوق القرار المزمع اتخاذه وفوق بنوده.
المدخل الآخر لفهم الموقف المغربي، هو ملف الصحراء المغربية المعروض على الأمم المتحدة. وفي السنين الأخيرة، أصبح المغرب يتبنى ديبلوماسية الوضوح بخصوص وحدته الترابية عوض الديبلوماسية السابقة التي تتحدث عن ميليشيات تحاول خلق القلاقل في الجنوب المغربي دون الإشارة لمن يمولهم ويزودهم بالسلاح ويحتضنهم فوق ترابه. ديبلوماسية الوضوح تجعل من مشكل الوحدة الترابية للمغرب هو بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية من جهة، وتقتضي إدانة النظام الجزائري الذي يتدخل في الأراضي المغربية الجنوبية من جهة أخرى. وقرار إدانة تدخل الاتحاد الروسي في أوكرانيا يجب أن يرتكز على أسس لا تتجزأ وذلك بإدانة كل تدخل لدولة في تراب الدولة المجاورة في جميع المناطق التي تشهد مثل هذه الصراعات بما فيه تدخل النظام الجزائري في الوحدة الترابية للمملكة المغربية بتسليح الميليشيات. وهذا ما عبر عنه المغرب في بلاغ وزارة الخارجية الذي جاء فيه “المملكة المغربية تجدد دعمها للوحدة الترابية والوطنية لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة” وأنها “تشجع جميع المبادرات والإجراءات التي تسهم في تعزيز التسوية السلمية للنزاعات”.
مدخل آخر لفهم الموقف المغربي لا يقل أهمية عن سابقه والذي يتجلى في الاستراتيجية الجديدة للمغرب في علاقاته الدولية والاقتصادية. فمنذ عقدين من الزمان استبق المغرب الأحداث والاضطرابات التي يشهدها العالم التي تؤثر كل مرة في التوازنات الدولية ويتأثر بها الداخل المغربي، فقام بتنويع علاقاته الخارجية لتتجاوز العلاقات التقليدية مع أوروبا وأمريكا، إلى علاقات الانفتاح على دول أخرى كالصين والهند وروسيا. وقد قام جلالة الملك بزيارات لكل هذه البلدان وتم التوقيع على العديد من الاتفاقيات وإنشاء لجن مشتركة لتتبع هذه الاتفاقيات وتطوير سبل التعاون. وإذا كانت الدول التي تصوت في الجمعية العامة، ونخص بالذكر تلك التي تُصوت بعيدا عن ضغوطات الدول الكبرى، يخضع تصويتها لحسابات سياسية تراعي مصالحها، فإن المملكة المغربية لها حساباتها السياسية ولها مصالحها الاستراتيجية التي بذلت كل طاقتها من أجل بنائها، ولذلك اختارت الموقف الذي ينسجم مع طبيعة علاقاتها الدولية ويصون مصالحها الاقتصادية ويسير في اتجاه تدعيم وحدته الترابية.
أما القرار الذي عرض على الجمعية العامة، والذي في ظاهره يتم تقديمه على أساس مبدأ إدانة تدخل روسيا في جارتها أوكرانيا، فالمعروف من الناحية المنطقية أن المبادئ لا تتجزأ وأن تدخل أي دولة في تراب دولة مجاورة يجب إدانته بشكل عام دون انتقائية ما دمنا نتحدث عن المبادئ. هنا أستحضر مقولة ابن خلدون “التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق”. فلا يكفي في القرارات المعروضة على الجمعية العامة النظر لظاهرها، بل يجب فهم عمقها لنكون أقرب من الأهداف المسطرة لها، خاصة إذا كان القرار يهم دولة عظمى تتوفر على حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي.
في الختام نشير إلى أن القرار الأخير الذي صوتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة هو من اقتراح الولايات المتحدة كقوة عظمى، وضد دولة عظمى أخرى، وبالتالي فنحن أمام موضوع يندرج في خانة صراع الدول الكبرى المتحكمة في المؤسسات الدولية والتي تتمتع بحق الفيتو، وعلى الدول التي لا تخضع لضغوطات الدول العظمى أن تتبنى القرار الذي يحمي سيادتها ويسير في خدمة مصالحها. وهي حسابات تكون بالتأكيد معقدة وبالغة الصعوبة في عالم عربي يسوده الانشقاق والصراع وبعيد كل البعد عن الوحدة العربية التي إن تجسدت في الواقع سنكون بكل تأكيد أمام تصويت موحد وله أثره في المنتظم الدولي. إلى حين تحقيق هذه الوحدة العربية، فالمصلحة الاستراتيجية وطبيعة العلاقات الدولية والوحدة الترابية تكون هي المحدد في أي اختيار.

سعيد الغماز