من أروع الأشياء في هذه الحياة أن تنتصر.. فالنصر يمنحك نشوة مؤقتة تجعلك ترى العالم جميلاً ومثالياً.
لكن المحكا الحقيقي للمعدن البشري وللشعوب بأكملها هو من تكون أنت حين تنهزم. فالهزيمة مرآة صادقة لا تكذب أبداً.. تصدمك بحقيقتك، وتكشف للجميع عمق نضجك النفسي أو حدود هشاشتك.
في مباراتنا الأخيرة أمام المنتخب الفرنسي لم تكن الخسارة مجرد تسعين دقيقة انتهت بنتيجة رياضية لم نكن نتمناها بالطبع.. بل كانت في عمقها اختباراً نفسياً واجتماعياً مدهشاً خرج منه الوجدان الجمعي المغربي بانتصار أثمن: انتصار الوعي والنضج العاطفي. هذا السلوك جاء مخالفاً تماماً لما تابعناه مؤخراً في بعض التجارب الكروية العربية المحيطة كلما حلت بهم كبوة أو انكسار حيث يتسارعون إلى البكاء والعويل ويفتحون دفتر “المظلومية” الجاهز ويعلقون الفشل على مشجب المؤامرة الكونية ولوبيات الشركات الكبرى وظلم “الفيفا” وتعبيد الطريق لفلان أو علان.. كأسلوب مريح للهروب من مواجهة الذات.
عكس ذلك تماماً بحيث أبان الشارع المغربي — جماهير ونخباً ومؤثرين — عن سلوك يتسم ببرود العقلاء في تقبله للنتيجة برأس مرفوعة وروح رياضية تدرك أن الخصم كان أقوى في تلك الليلة ومن جميع النواحي.
لم نمر بنوبات صراخ ولم نسمع شتائم بل رأينا تصريحات حكيمة من المدرب واللاعبين يهنئون فيها المنافس بكبرياء واعتزاز ويبحثون عن العثرة في الداخل لا في الخارج. وحتى أكثر المشجعين تعصباً اختصر المشهد بسؤال تقني رصين، تشاطره مع كبار المحللين في المنصات الدولية: ( ما الذي وقع لمنتخبنا مقارنة بما رأيناه في المقابلات السابقة..؟)
إن البحث عن أسباب الخسارة داخل قواعد اللعبة والاعتراف بتفوق الآخر دون اختلاق أعذار واهية هو أولى علامات النضج العاطفي والفكري.
لقد طوينا جميعاً صفحة فكر المؤامرة ليدخل الوعي المغربي منظومة الاحتراف الحقيقي. والحقيقة التي نعرفها جميعاً هي أن تجرع مرارة الخسارة بشرف والوقوف مجدداً بقراءة شجاعة للأخطاء هي الخصلة الفريدة التي لا يملكها إلا الكبار.. والكبار فقط حين ينهزمون.
لذلك لم تكن هذه المحطة — رغم مرارتها — نهاية المطاف بل هي نقطة تحول استراتيجية في مسيرتنا الكروية والحضارية.
فالهزيمة عندما تُقرأ بعيون العقلاء لا تعود كبوة بل تصبح درساً بليغاً ومحطة شجاعة لشحن الهمم وتصحيح المسار. لقد ربحنا في هذه البطولة ما هو أبقى من الكأس ربحنا احترام العالم. والأهم من ذلك: ربحنا أنفسنا وثقتنا في قدرتنا على مقارعة الكبار بندية وكبرياء.
فطريق المجد لا يُفرش بالورود والوصول إلى منصات التتويج يتطلب عبور جسور التحديات واكتساب خبرات المعارك الكبرى.
واليوم.. نقف جميعاً خلف منتخبنا برؤية واضحة ويقين لا يتزعزع.. مستشرفين مستقبلاً واعداً.
لأن مَن يملك هذا الوعي الجماهيري الناضج وهذا الإصرار والعزيمة لا يمكن إلا أن يعود أكثر قوة وأشد بأساً وأقرب إلى تحقيق الانتصارات. فالقادم لنا..
والتاريخ لا يفتح أبوابه إلا للذين يستخلصون من تعثرهم وقوداً لانتصارات الغد.. مسترشداً بهزائمه – أيضاً -نحو المجد
يوسف غريب (كاتب صحفي)

