في اللحظات التي تتحول فيها الغابات إلى رماد، وتصبح حياة المواطنين مهددة بالنيران والدخان، يفترض أن تسقط كل الحسابات السياسية، وأن ينتصر الواجب الإنساني على كل اعتبارات الصراع والخلاف. غير أن ما رافق الحرائق التي اجتاحت عدداً من الولايات الجزائرية أعاد طرح سؤال مؤلم: هل يمكن أن تصبح حياة المواطنين ضحية لحسابات السلطة؟
في خضم هذه المأساة، بعثت المملكة المغربية برسالة إنسانية راقية، تجسدت في المبادرة الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الذي أعطى تعليماته لوضع طائرتين من طراز “كانادير” رهن إشارة السلطات الجزائرية للمساهمة في إخماد الحرائق، في خطوة عكست ثوابت الدبلوماسية المغربية القائمة على التضامن، وحسن الجوار، وتقديم الإنسان على الخلافات السياسية.
لقد كانت تلك المبادرة أكثر من مجرد عرض للمساعدة؛ كانت رسالة أخلاقية تؤكد أن الشعوب لا ينبغي أن تدفع ثمن الخلافات السياسية، وأن الكوارث الطبيعية لا تعترف بالحدود ولا بالخطابات العدائية.
المغرب… دبلوماسية الإنسانية قبل السياسة
ليست هذه المبادرة استثناءً في السياسة الخارجية المغربية، بل امتداد لنهج ثابت جعل من التضامن الإنساني ركيزة أساسية في تحركات المملكة داخل محيطها الإقليمي والدولي.
فقد دأب المغرب على تقديم المساعدة للدول المتضررة من الكوارث الطبيعية، سواء تعلق الأمر بحرائق الغابات أو الزلازل أو الفيضانات، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن إنقاذ الأرواح مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
ومن هذا المنطلق، لم يسأل المغرب عن طبيعة العلاقات الدبلوماسية ولا عن حجم الخلافات القائمة، بل اختار أن يمد يده البيضاء إلى الشعب الجزائري في لحظة كان فيها في أمس الحاجة إلى كل وسائل الدعم الممكنة.
إنها صورة دولة تثق في نفسها، وتؤمن بأن الشهامة لا تخضع لحسابات الظرف، وأن قوة المواقف تقاس بقدرتها على خدمة الإنسان.
حين تطغى الحسابات السياسية على الاعتبارات الإنسانية
في المقابل، يرى كثير من المراقبين أن النظام العسكري الجزائري، الذي جعل من النزاع حول الصحراء المغربية محورًا رئيسيًا لسياسته الإقليمية منذ أكثر من خمسين عامًا، يجد صعوبة في التعاطي مع أي مبادرة إنسانية مصدرها المغرب، حتى عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الأرواح ومواجهة الكوارث الطبيعية.
ويذهب هذا التحليل إلى أن طبيعة الخطاب الرسمي الجزائري، الذي ظل لسنوات يؤسس لعلاقة تقوم على الخصومة مع المغرب، قد تجعل قبول المساعدة المغربية قراراً سياسياً معقداً، حتى في ظل ظروف استثنائية تستوجب تعبئة كل الإمكانيات المتاحة لمواجهة الكارثة.
وفي مثل هذه الحالات، يظل الرأي العام متسائلاً: عندما تكون حياة المواطنين على المحك، هل ينبغي أن تتقدم الاعتبارات السياسية على واجب إنقاذ الأرواح؟
إن هذا السؤال لا يستهدف التشكيك في سيادة الدول، بل يسلط الضوء على مبدأ أصبح راسخاً في إدارة الأزمات عبر العالم، وهو أن حماية الإنسان تظل الأولوية المطلقة.
الشعوب لا تعادي… والسياسات تتغير
ما كشفت عنه هذه الأزمة هو الفارق الكبير بين خلافات الأنظمة وروابط الشعوب.
فالشعب المغربي لم ينظر إلى الحرائق باعتبارها مناسبة لتصفية الحسابات أو الشماتة، بل عبّر عبر مختلف المنصات عن تضامنه مع الأسر الجزائرية المتضررة، وهو ما يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع الشعبين.
وفي المقابل، فإن استمرار التوتر السياسي لا ينبغي أن يحرم المواطنين من فرص قد تساهم في الحد من الخسائر البشرية والمادية.
فالكوارث لا تنتظر انتهاء الخلافات، والنيران لا تميز بين مؤيد ومعارض، ولا بين دولة وأخرى.
الدرس الذي قدمه المغرب
لقد قدم المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده ، نموذجاً راقياً في الدبلوماسية الإنسانية، حين اختار أن يجعل إنقاذ الإنسان فوق كل الاعتبارات الأخرى.
فالمبادرة الملكية لم تكن بحثاً عن مكسب سياسي أو إعلامي، وإنما تعبيراً عن قيم أصيلة ظلت تميز المملكة في تعاملها مع الأزمات الإقليمية والدولية.
وفي عالم تتزايد فيه الأزمات المناخية، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانيات، وإنما أيضاً بقدرتها على نشر قيم التضامن والتعاون.
خاتمة
لقد كشفت حرائق الجزائر مرة أخرى أن التغيرات المناخية تفرض على الدول نمطاً جديداً من التفكير، يقوم على التعاون لا القطيعة، وعلى التضامن لا العداء.
كما أبرزت هذه الأزمة الفرق بين دولة اختارت أن تمد يدها البيضاء رغم الخلافات، واضعة الإنسان فوق السياسة، وبين واقع سياسي ما زال، في نظر عدد من المتابعين، مثقلاً بحسابات تجعل اتخاذ بعض القرارات الإنسانية أكثر تعقيداً.
ويبقى الثابت أن الأرواح أغلى من كل الخلافات، وأن التاريخ لا يتذكر الشعارات بقدر ما يتذكر المواقف. وسيظل عرض المساعدة الذي تقدم به المغرب شاهداً على سياسة حكيمة تؤمن بأن حسن الجوار لا يسقط بالتوتر، وأن اليد التي تمتد لإنقاذ الإنسان هي اليد التي يخلدها التاريخ.
بقلم: أحمد بومهرود/باحث في الإعلام والصناعة الثقافية




