في وقت تتسابق فيه الشركات والحكومات على بناء الجيل المقبل من الحوسبة، خطفت شركة Quobly الفرنسية الأنظار بعدما أعلنت جمع 115 مليون يورو، أي ما يعادل نحو 133.7 مليون دولار، في جولة تمويل من الفئة A. الرقم لا يبدو مجرد خبر مالي عابر، بل إشارة جديدة إلى أن أوروبا تحاول تثبيت حضورها في سباق عالمي حساس، حيث لم تعد الحوسبة الكمية شأناً مخبرياً فقط، بل مشروعاً صناعياً مرتبطاً بمراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وسلاسل تصنيع الرقائق.
- Quobly تجمع 133 مليون دولار.. من المختبر إلى السوق
- من يقف وراء الجولة؟ أسماء صناعية وسيادية ثقيلة
- لماذا السيليكون مهم في الحوسبة الكمية؟
- Alloy Pioneer.. أول خطوة نحو منتج تجاري
- رهان أوروبي على السيادة التقنية
- ما التطبيقات التي قد تستفيد من الحوسبة الكمية؟
- STMicroelectronics في قلب المعادلة
- لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
- تمويل كبير.. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
الجولة التي قادتها Bpifrance وSTMicroelectronics وSEALSQ تمنح Quobly دفعة قوية نحو تحويل تقنيتها القائمة على السيليكون من مرحلة التحقق العلمي إلى مرحلة التصنيع والنشر التجاري. وبالنسبة للقارئ العادي، تعني هذه الخطوة أن الحواسيب الكمية، التي طالما بدت غامضة ومعقدة، تقترب تدريجياً من البنية التحتية التي تستعملها الشركات والباحثون في الواقع.
Quobly تجمع 133 مليون دولار.. من المختبر إلى السوق
أعلنت Quobly، وهي شركة فرنسية ناشئة متخصصة في الحوسبة الكمية، إغلاق جولة تمويل بقيمة 115 مليون يورو. وبحسب Reuters، تعادل هذه القيمة حوالي 133.72 مليون دولار، في واحدة من الجولات اللافتة داخل قطاع الحوسبة الكمية الأوروبي خلال 2026.
تقول الشركة إن التمويل سيُستخدم لتسريع التصنيع الصناعي لحواسيبها الكمية القائمة على السيليكون، ودعم البحث والتطوير، وتوسيع الحضور التجاري دولياً. كما تخطط Quobly لإطلاق أول منتج تجاري ضمن خط Alloy عبر السحابة قبل نهاية 2026، على أن يتم إدماجه لاحقاً داخل بيئات الحوسبة الفائقة خلال 2027.
من يقف وراء الجولة؟ أسماء صناعية وسيادية ثقيلة
قادت الجولة ثلاثة أطراف رئيسية: بنك الاستثمار الفرنسي المدعوم من الدولة Bpifrance، وشركة الرقائق الأوروبية STMicroelectronics، وشركة SEALSQ المتخصصة في الأمن الرقمي وما بعد التشفير الكمي. كما شاركت جهات أخرى، بينها European Innovation Council Fund وBlast وAir Liquide Venture Capital، إلى جانب المستثمر الحالي Innovacom.
حضور هذه الأسماء مهم، لأنه يعطي التمويل بعداً أكبر من مجرد ضخ أموال في شركة ناشئة. فـ Bpifrance يعكس رغبة فرنسية وأوروبية في دعم التكنولوجيا العميقة، وSTMicroelectronics تمنح المشروع صلة مباشرة بعالم تصنيع الرقائق، بينما تضيف SEALSQ زاوية مرتبطة بالأمن السيبراني في زمن ما بعد الحوسبة الكمية.
لماذا السيليكون مهم في الحوسبة الكمية؟
تعتمد Quobly على مقاربة مختلفة نسبياً عن بعض المنافسين الذين يطورون حواسيب كمية باستعمال تقنيات فائقة التوصيل أو الذرات المحايدة أو الفوتونات. رهان الشركة قائم على “كيوبتات” من السيليكون، أي محاولة بناء وحدات الحوسبة الكمية داخل بيئة قريبة من صناعة أشباه الموصلات التقليدية.
أهمية هذه المقاربة تكمن في قابلية التصنيع. فإذا نجحت الشركة في تحويل الكيوبتات إلى عناصر قابلة للإنتاج على رقاقات 300 ملم وباستعمال عمليات صناعية معروفة مثل FD-SOI، فقد يساعد ذلك على خفض الكلفة، وتحسين التكرار، وتسهيل دمج الأنظمة الكمية مستقبلاً داخل مراكز البيانات والحوسبة الفائقة.
Alloy Pioneer.. أول خطوة نحو منتج تجاري
تخطط Quobly لإتاحة أول نظام تجاري لها، المعروف باسم Alloy Pioneer، عبر السحابة خلال 2026. هذا المنتج يستهدف في البداية الباحثين ومراكز الحوسبة الفائقة والشركات التي تريد اختبار تطبيقات كمية ضمن قيود أجهزة حقيقية، بدل الاكتفاء بالمحاكاة النظرية.
كما توفر الشركة بيئة تطوير باسم Alloy Forge، هدفها تمكين المستخدمين من بناء وتجريب تطبيقات كمية بطريقة أقرب إلى ظروف التشغيل الواقعية. هذه النقطة مهمة لأن السوق لا يحتاج فقط إلى أجهزة كمية، بل يحتاج أيضاً إلى برمجيات وأدوات تجعل استعمال هذه الأجهزة ممكناً ومفيداً للباحثين والصناعة.
رهان أوروبي على السيادة التقنية
تأتي هذه الجولة في سياق أوسع؛ أوروبا تحاول تقوية موقعها في تقنيات لا تريد أن تبقى فيها تابعة بالكامل للولايات المتحدة أو آسيا. وبعدما أصبح الذكاء الاصطناعي مرتبطاً بقوة بالرقائق ومراكز البيانات، بدأت الحوسبة الكمية تظهر كجبهة جديدة في الصراع على السيادة الرقمية.
وجود شركة فرنسية، ومستثمرين صناعيين أوروبيين، وتمويل سيادي، يعطي الخبر بعداً استراتيجياً. فالأمر لا يتعلق فقط بشركة تبحث عن رأس مال، بل بمنظومة تحاول بناء سلسلة قيمة متكاملة: من البحث العلمي إلى تصنيع الرقائق، ومن البرمجيات إلى مراكز البيانات.
ما التطبيقات التي قد تستفيد من الحوسبة الكمية؟
تُقدم الحوسبة الكمية عادة بوصفها تقنية قادرة، في المستقبل، على تسريع بعض الحسابات المعقدة التي يصعب على الحواسيب التقليدية حلها بكفاءة. ومن بين المجالات التي تُذكر كثيراً: تطوير الأدوية، المواد الجديدة، نمذجة الأنظمة المعقدة، تحسين العمليات الصناعية، التمويل، والأمن السيبراني.
لكن من المهم التأكيد أن الطريق ما يزال طويلاً. فمعظم الأنظمة الكمية الحالية ما تزال في مراحل مبكرة، وتواجه تحديات مرتبطة بالاستقرار، تصحيح الأخطاء، التبريد، وقابلية التوسع. لذلك، فإن تمويل Quobly لا يعني أن الحواسيب الكمية أصبحت جاهزة لتغيير كل شيء غداً، بل يعني أن الصناعة تقترب خطوة إضافية من تحويل الوعود إلى منتجات قابلة للاختبار والاستخدام.
STMicroelectronics في قلب المعادلة
دور STMicroelectronics لافت في هذه الجولة، لأن الشركة ليست مجرد مستثمر مالي. فقد سبق أن أعلنت تعاوناً مع Quobly لتسريع تصنيع معالجات كمية قائمة على تقنيات FD-SOI، مع الاستفادة من خبرة أشباه الموصلات على نطاق صناعي. وهذا ما يمنح Quobly فرصة للانتقال من نماذج مخبرية إلى مسار تصنيع أكثر نضجاً.
إذا نجح هذا التعاون، فقد يمنح أوروبا موقعاً أقوى في الحوسبة الكمية القائمة على السيليكون، وهي مقاربة تراهن على الاستفادة من خبرة عقود في صناعة الرقائق، بدل بناء سلسلة تصنيع جديدة بالكامل من الصفر.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
قد يبدو خبر تمويل شركة حوسبة كمية فرنسية بعيداً عن الحياة اليومية، لكنه يعكس تحولاً عالمياً سيؤثر مستقبلاً في قطاعات كثيرة. فالذكاء الاصطناعي، الأمن الرقمي، الطب، الصناعة، والطاقة كلها مجالات تعتمد أكثر فأكثر على قدرات حسابية ضخمة. وإذا أصبحت الحوسبة الكمية عملية وقابلة للتوسع، فإن الدول والشركات التي تمتلك هذه البنية ستملك أفضلية استراتيجية كبيرة.
بالنسبة للمغرب والمنطقة العربية، يفتح الخبر سؤالاً أوسع: كيف يمكن للجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة أن تتابع هذا التحول مبكراً؟ فحتى إن كانت صناعة حواسيب كمية كاملة تحتاج استثمارات ضخمة، فإن بناء خبرات في البرمجيات، الأمن السيبراني، الخوارزميات، والتكوين العلمي قد يكون مدخلاً مهماً للحاق بالموجة قبل أن تصبح حكراً على القوى الكبرى.
تمويل كبير.. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
جولة Quobly البالغة 133 مليون دولار تمنح الشركة وقوداً جديداً للانتقال من مرحلة الوعود التقنية إلى اختبار السوق. قوة الخبر لا تكمن فقط في الرقم، بل في طبيعة المستثمرين، وفي الرهان على تصنيع كمي قائم على السيليكون، وفي محاولة إدخال هذه الأنظمة إلى السحابة ومراكز الحوسبة الفائقة.
ومع ذلك، يبقى الحكم النهائي مرتبطاً بما ستقدمه الشركة فعلياً خلال 2026 و2027: هل ستنجح في إطلاق أنظمة مستقرة ومفيدة للباحثين والصناعة؟ وهل ستثبت أن مقاربة السيليكون قادرة على التوسع اقتصادياً وتقنياً؟ الجواب لم يُحسم بعد، لكن المؤكد أن أوروبا وضعت ورقة جديدة على طاولة سباق الحوسبة الكمية.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله