أثار تخريب الإشارات الضوئية بحي الخيام بمدينة أكادير موجة استياء وسط عدد من الساكنة، الذين اعتبروا أن ما وقع لا يمكن التعامل معه كسلوك معزول أو “مشاغبة عابرة”، بل كفعل يمس مرفقا عموميا وضع أساسا لحماية مستعملي الطريق وتنظيم حركة السير داخل المدينة.
وحسب معطيات توصلت بها أكادير24 من مواطنين بالحي، فقد أقدم أشخاص، في ظروف لم تتضح بعد، على إتلاف تجهيزات مرتبطة بالإشارات الضوئية، ما خلف حالة غضب في صفوف السكان، خاصة أن الحي يعرف حركة مرور مهمة، وأن أي عطب أو تخريب في هذا النوع من التجهيزات قد يربك السير ويعرض الراجلين والسائقين لمخاطر مباشرة.
الواقعة، وإن بدت في ظاهرها حادث تخريب محدود، تطرح سؤالا أكبر: كيف يمكن حماية المرافق العمومية بمدينة تعيش منذ سنوات على وقع أوراش كبرى لتحديث بنيتها التحتية وتحسين جاذبيتها الحضرية؟
تخريب إشارة ضوئية ليس عبثا بسيطا
الإشارات الضوئية ليست ديكورا حضريا ولا تجهيزا ثانويا في الشارع العام. هي جزء من منظومة السلامة الطرقية داخل المدينة، وتقوم بدور أساسي في تنظيم المرور، خصوصا عند التقاطعات والممرات التي تعرف عبور الراجلين ومرور السيارات والدراجات والحافلات.
لذلك، فإن العبث بها لا يضر فقط بصورة الحي، بل قد يفتح الباب أمام ارتباك في حركة السير، ووقوع حوادث كان بالإمكان تفاديها. فحين تتوقف إشارة أو تتعرض للتخريب، يصبح مستعملو الطريق أمام وضع غير واضح: سائق لا يعرف أولوية المرور، راجل يتردد في العبور، ودراجة تمر وسط فوضى بصرية ومرورية.
ومن هنا جاء غضب الساكنة، التي ترى أن من غير المقبول أن تتحمل المدينة كلفة تجهيزات حديثة ثم يأتي سلوك لا مسؤول ليعبث بها في لحظات.
أكادير تتغير.. لكن السلوك المدني يجب أن يواكب التحول
تأتي هذه الواقعة في وقت تعرف فيه أكادير تحولا عمرانيا واضحا في إطار برنامج التنمية الحضرية لأكادير 2020-2024، وهو برنامج قدمته شركة أكادير للتهيئة باعتباره ورشا ملكيا يهدف إلى تمكين المدينة من بنية تحتية أساسية وتعزيز موقعها كحلقة وصل اقتصادية ومجالية داخل المملكة. وتؤكد الشركة أن البرنامج يتضمن 94 مشروعا موزعة على 6 محاور، من بينها النقل الحضري، تقوية البنيات التحتية، التهيئة الحضرية، البيئة، الثقافة، والتجهيزات الاجتماعية الأساسية.
كما تشير المعطيات المنشورة من طرف شركة أكادير للتهيئة إلى أن البرنامج رُصدت له غلاف مالي يفوق 6 مليارات درهم، بهدف تحسين إطار عيش المواطنين وتأهيل المدينة للقيام بدور أكبر ضمن خريطة التنمية الوطنية.
وتؤكد الشركة الجهوية للتنمية السياحية سوس ماسة، من جهتها، أن برنامج التنمية الحضرية لأكادير يروم تحويل المدينة إلى قطب اقتصادي وحضري رائد، بغلاف مالي يصل إلى 7 مليارات درهم، مع تحسين البنيات التحتية والخدمات العمومية وجودة العيش.
هذه الأرقام تكشف حجم الرهان الموضوع على أكادير. فالمدينة لا تُصلح أرصفتها فقط، ولا تضع إشارات ضوئية جديدة بمعزل عن رؤية عامة، بل تعيش ورشا شاملا يمس التنقل، الفضاءات العامة، المرافق، البيئة، الثقافة، والوجهة السياحية.
ومن ثم، فإن تخريب تجهيز بسيط في الشارع لا يجب قراءته بمعزل عن هذا السياق. كل عمود إنارة، كل إشارة ضوئية، كل رصيف مهيأ، وكل فضاء عمومي جديد هو جزء من كلفة مالية ومؤسساتية ومجتمعية. وحين يتم تخريبه، فالخاسر ليس الجماعة وحدها، بل المواطن الذي مول هذه التجهيزات من المال العام وينتظر أن يستفيد منها يوميا.
حي الخيام بين حق الساكنة في السلامة وواجب حماية التجهيزات
ساكنة حي الخيام عبّرت، وفق ما توصلت به أكادير24، عن رفضها لهذا السلوك الذي وصفته بغير المسؤول، معتبرة أنه يسيء إلى صورة الحي وإلى المدينة ككل. فالمواطن الذي يطالب بطرق منظمة، وإنارة جيدة، وممرات آمنة، وإشارات واضحة، من حقه في المقابل أن يرى هذه التجهيزات محمية من التخريب والإهمال.
ولا يتعلق الأمر بمطلب جمالي فقط. الإشارات الضوئية ترتبط مباشرة بسلامة الأطفال والتلاميذ وكبار السن والنساء والعمال ومستعملي الدراجات، خصوصا في الأحياء التي تعرف كثافة سكانية وحركة يومية متواصلة.
ومن الطبيعي، أمام هذه الواقعة، أن تطالب الساكنة بتدخل الجهات المختصة لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية، متى ثبت الفعل وهوية المتورطين، لأن التساهل مع تخريب المرافق العمومية قد يشجع على تكراره في مواقع أخرى.
القانون والمال العام.. مسؤولية لا تقبل التبرير
من الناحية القانونية، يتعامل القانون الجنائي المغربي مع الإضرار العمدي بأموال الغير ضمن الجرائم والمخالفات المرتبطة بالاعتداء على الأموال. وتشير نصوص منشورة لمجموعة القانون الجنائي إلى أن التسبب عمدا في الإضرار بمال منقول مملوك للغير يندرج ضمن الأفعال المعاقب عليها، مع اختلاف التكييف والعقوبة حسب طبيعة الفعل وظروفه وما إذا كان يشكل جريمة أشد.
وفي حالة الإشارات الضوئية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمال مادي قابل للإصلاح أو الاستبدال، بل بتجهيز مرتبط بالسلامة العامة وتنظيم المرور. لذلك تبقى الكلمة النهائية للبحث الذي قد تباشره الجهات المختصة، وللسلطة القضائية عند الاقتضاء، من أجل تحديد الوصف القانوني الدقيق للفعل.
الأهم هنا أن الرسالة يجب أن تكون واضحة: المرفق العمومي ليس ملكا بلا صاحب. هو ملك جماعي يستفيد منه الجميع، وتخريبه يعني تحميل الجماعة والمواطنين كلفة إضافية، وتعطيل خدمة موجهة للصالح العام.
تحديث المدينة لا ينجح بالإسمنت وحده
تحديث أكادير لا يتوقف عند إنجاز المشاريع، بل يحتاج أيضا إلى وعي جماعي بقيمة ما يتم إنجازه. فالمدينة التي تريد أن تعزز صورتها كوجهة حضرية وسياحية حديثة لا يمكن أن تربح الرهان إذا ظل جزء من الفضاء العام عرضة للتخريب أو العبث أو سوء الاستعمال.
المطلوب اليوم ليس فقط إصلاح الإشارة المتضررة، بل ترسيخ ثقافة حماية المرافق. وهذا يمر عبر ثلاثة مسارات متكاملة: تدخل ردعي في حق المتورطين عند ثبوت الفعل، حملات تحسيسية داخل الأحياء والمؤسسات التعليمية، ثم حضور أقوى للمراقبة والصيانة السريعة حتى لا تتحول الأعطاب الصغيرة إلى مشاهد يومية تكرس الفوضى.
كما أن للمواطنين دورا مهما في هذا الجانب، من خلال التبليغ عن أي تخريب أو عبث يمس التجهيزات العمومية، لأن حماية المدينة لا يمكن أن تبقى مسؤولية الإدارة وحدها.
بين صورة أكادير وحق الساكنة في مدينة آمنة
أكادير، التي تُقدم اليوم كـ”عاصمة الانبعاث”، تحتاج إلى سلوك مدني يواكب حجم التحولات التي تعرفها. فالمشاريع الكبرى تمنح المدينة بنية جديدة، لكن احترام الفضاء العام هو ما يمنح هذه البنية روحها واستمراريتها.
وما وقع بحي الخيام، وفق شكايات الساكنة، يجب أن يكون مناسبة للتنبيه لا للتطبيع مع التخريب. فكل تساهل مع العبث بالمرافق العمومية يبعث برسالة خاطئة، وكل تدخل حازم وقانوني يعيد الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها حاسمة: المدينة ملك للجميع، وحمايتها مسؤولية مشتركة.
إن أكادير التي تصرف عليها ميزانيات مهمة وتنتظر منها الساكنة أن ترتقي في خدماتها ومظهرها وتنقلها، لا يمكن أن تُترك رهينة سلوكات لا مدنية تضرب في العمق جهود التحديث. فالإشارة الضوئية التي تُخرب اليوم قد تكون سببا في حادث غدا، والمرفق الذي يُهمل اليوم قد يتحول إلى كلفة مضاعفة على المدينة والمواطنين.



