بعد بداية استثنائية لسنة 2026، بلغ خلالها مستويات قياسية غير مسبوقة، دخل الذهب مرحلة تصحيح حادة أعادت طرح سؤال جوهري داخل الأسواق: هل فقد المعدن الأصفر مكانته كملاذ آمن، أم أن ما يحدث مجرد إعادة تسعير طبيعية بعد موجة صعود سريعة غذّتها المخاطر الجيوسياسية والمضاربات؟
المؤشرات المتاحة تُظهر أن التراجع لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء تحت ضغط ارتفاع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتجدد توقعات رفع أسعار الفائدة، إلى جانب عمليات جني الأرباح بعد القفزات القياسية المسجلة مطلع السنة.
وفي أحدث موجات الهبوط، فقد السعر الفوري للذهب 2.1 في المائة، يوم الخميس 23 يوليوز 2026، ليتراجع إلى 4043.14 دولاراً للأوقية، بينما أغلقت العقود الأمريكية الآجلة تسليم غشت منخفضة بنحو 2.5 في المائة عند 4050.20 دولاراً.
وجاء هذا التراجع بعدما دفعت تطورات الصراع في الشرق الأوسط أسعار الطاقة إلى الارتفاع، إذ بلغ خام برنت 100 دولار للبرميل، ما أجّج مخاوف التضخم وعزز رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه، صعدت عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من عام، وارتفع الدولار بنسبة 0.3 في المائة، وفق وكالة رويترز.
الذهب يستفيد من الخوف ويتضرر من الفائدة
يُنظر إلى الذهب تقليدياً باعتباره ملاذاً آمناً يلجأ إليه المستثمرون خلال الحروب والأزمات الاقتصادية واضطراب الأسواق. لكن هذه الصفة لا تعني أن سعره يرتفع آلياً عند كل أزمة.
فالذهب لا يمنح حامله عائداً دورياً، على خلاف السندات والودائع. وعندما ترتفع أسعار الفائدة أو عوائد السندات، تزداد كلفة الاحتفاظ به، لأن المستثمر يصبح قادراً على تحقيق عائد من أصول أخرى.
كما أن قوة الدولار تضغط عادة على المعدن الأصفر، لأنه يُسعر عالمياً بالعملة الأمريكية، ما يجعل اقتناءه أكثر كلفة بالنسبة إلى حاملي العملات الأخرى.
وتجلت هذه المعادلة يوم 16 يوليوز، عندما هبط السعر الفوري للذهب بنسبة 1.9 في المائة إلى 3984.64 دولاراً للأوقية، بينما أغلقت العقود الأمريكية الآجلة عند 3992.10 دولاراً، منخفضة بنحو 1.5 في المائة.
وخلال تلك الجلسة، رفعت الأسواق تقديرات احتمال زيادة الفائدة الأمريكية في شتنبر إلى نحو 53 في المائة، بالتزامن مع ارتفاع النفط والدولار وعوائد السندات، بحسب .
لماذا لا ترفع الحرب أسعار الذهب دائماً؟
قد يبدو تراجع الذهب في ظل تصاعد التوترات العسكرية أمراً متناقضاً، غير أن النزاعات تؤثر فيه عبر مسارات متعاكسة.
فمن جهة، يدفع الخوف المستثمرين إلى البحث عن أصول يُنظر إليها باعتبارها أكثر أماناً، ما يعزز الطلب على الذهب. ومن جهة أخرى، قد تؤدي الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط وتعطيل إمدادات الطاقة، ومن ثم زيادة الضغوط التضخمية ودفع البنوك المركزية إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها.
ويجد الذهب نفسه، في هذه الحالة، بين قوة تدعمه تتمثل في الطلب على الملاذ الآمن، وقوى تضغط عليه تتمثل في ارتفاع الفائدة والعوائد والدولار.
وظهر هذا التناقض يوم 8 يوليوز، عندما انخفض السعر الفوري للذهب بنسبة 0.9 في المائة إلى 4067.39 دولاراً، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء الاتفاق المؤقت المتعلق بالصراع مع إيران. وفي المقابل، قفز النفط بأكثر من 5 في المائة، وارتفعت رهانات الأسواق على زيادة الفائدة الأمريكية خلال شتنبر إلى نحو 69 في المائة، وفق تقرير رويترز.
وبذلك، لم تعد المعادلة ببساطة أن «الحرب ترفع الذهب»، بل أصبحت النتيجة مرتبطة بحجم الطلب على الأمان مقارنة بتأثير الأزمة في أسعار الطاقة والتضخم والسياسة النقدية.
رحلة حادة من 5595 إلى أقل من 4000 دولار
تكشف حركة الأسعار خلال النصف الأول من سنة 2026 حجم التقلبات الاستثنائية التي شهدها المعدن الأصفر.
فبحسب المجلس العالمي للذهب، سجل الذهب 12 قمة تاريخية، وبلغ السعر المرجعي المسائي لجمعية سوق السبائك في لندن 5405 دولارات للأوقية يوم 29 يناير، بينما وصل السعر الفوري أثناء التداولات إلى قمة بلغت 5595.47 دولاراً.
لكن الاتجاه انعكس لاحقاً، إذ هبط السعر الفوري إلى 3959.33 دولاراً في 24 يونيو، وأنهى الذهب النصف الأول من السنة منخفضاً بنحو 7 في المائة منذ بدايتها، رغم بقائه من بين أفضل الأصول أداءً خلال الاثني عشر شهراً السابقة.
ومن المهم التمييز بين الرقمين: 5405 دولارات هو أعلى سعر مرجعي مسائي، بينما يمثل 5595.47 دولاراً أعلى مستوى سجله السعر الفوري خلال التداول، وفق تقرير المجلس العالمي للذهب.
جني الأرباح يضاعف حدة التصحيح
لم تكن الفائدة والدولار وحدهما وراء الهبوط، فقد شجعت المكاسب الاستثنائية المسجلة في بداية السنة المستثمرين والصناديق على بيع جزء من حيازاتهم وتثبيت الأرباح المحققة.
ويُظهر نموذج المجلس العالمي للذهب أن عامل «الزخم»، الذي يشمل تمركز المستثمرين وتتبع الاتجاه وجني الأرباح، فسّر 24 في المائة من تقلبات الأسعار خلال النصف الأول من السنة.
وساهمت المخاطر وعدم اليقين بنسبة 17 في المائة، وتحركات العملات بنسبة 14 في المائة، وأسعار الفائدة بنسبة 3 في المائة، بينما فسرت عوامل اقتصادية وأخرى غير مدرجة بقية التقلبات.
وهذا يعني أن الهبوط لا يمكن تفسيره باعتباره انهياراً مفاجئاً في الثقة بالذهب، بل هو تصحيح شاركت فيه عمليات بيع فنية ومضاربية، بالتزامن مع تغير توقعات الفائدة وتحركات الدولار.
موجة البيع تشمل المعادن النفيسة
لم يقتصر تراجع 23 يوليوز على الذهب، بل شمل بقية المعادن النفيسة. فقد انخفضت الفضة بنسبة 3.8 في المائة إلى 57.44 دولاراً للأوقية، وتراجع البلاتين بنسبة 3.3 في المائة إلى 1590.58 دولاراً، فيما فقد البلاديوم 2.7 في المائة مسجلاً 1256.50 دولاراً.
ويشير هذا الهبوط الجماعي إلى وجود موجة بيع أوسع داخل سوق المعادن، وليس إلى تحول منفرد في نظرة المستثمرين إلى الذهب.
هل فقد الذهب مكانته كملاذ آمن؟
المعطيات الحالية لا تكفي للقول إن الذهب فقد هذه المكانة. لكن أداءه خلال سنة 2026 يؤكد أن صفة «الملاذ الآمن» لا تحميه من التصحيحات ولا تضمن ارتفاعه خلال كل أزمة.
فالذهب يستفيد عادة من عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية، لكنه يتضرر عندما تؤدي الأزمات نفسها إلى ارتفاع النفط والتضخم وعوائد السندات وأسعار الفائدة، خصوصاً إذا صاحب ذلك صعود في الدولار.
ويرى المجلس العالمي للذهب أن سعر المعدن يعكس حالياً بيئة دولية تتسم بنمو معتدل وتضخم يتراجع لكنه ما يزال مرتفعاً، إلى جانب توقعات بمزيد من التشديد النقدي المحدود.
وفي حال عدم حدوث تغير جوهري في هذه الظروف، قد يتحرك الذهب خلال النصف الثاني من السنة داخل نطاق يبلغ نحو 5 في المائة صعوداً أو هبوطاً حول مستوى 4100 دولار للأوقية.
غير أن المجلس شدد على أن هذه النطاقات مجرد سيناريوهات تحليلية افتراضية وليست توقعات سعرية مضمونة.
ثلاثة سيناريوهات للنصف الثاني من 2026
يرتبط المسار المقبل للذهب بثلاثة سيناريوهات رئيسية.
يتمثل الأول في استمرار الضغط على الأسعار إذا بقي الدولار قوياً، وواصلت عوائد السندات ارتفاعها، وتعززت توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على عودة الذهب إلى الصعود إذا تفاقمت المخاطر الاقتصادية أو الجيوسياسية، أو تراجعت توقعات الفائدة، أو عاد المستثمرون للشراء بعد الهبوط. ويرى المجلس العالمي للذهب أن مثل هذه العوامل قد تدفع السعر نحو 4500 دولار، وربما إلى مستويات أعلى إذا كانت المحفزات قوية.
ويظل السيناريو الثالث هو دخول الذهب مرحلة تذبذب وتجميع قرب مستوياته الحالية، تتصارع خلالها عوامل الملاذ الآمن مع تأثيرات الفائدة والعوائد والدولار.
ماذا يعني التراجع للمستهلك المغربي؟
يمكن أن ينعكس انخفاض السعر العالمي تدريجياً على أثمنة الذهب في المغرب، لكنه لا ينتقل بالضرورة إلى السوق المحلية بالسرعة أو النسبة نفسيهما.
فالسعر الذي يؤديه المستهلك المغربي لا يرتبط بثمن الأوقية عالمياً وحده، بل يتأثر أيضاً بسعر صرف الدولار مقابل الدرهم، والعيار، وتكلفة الصياغة، وهوامش البيع والشراء، والعرض والطلب داخل السوق.
لذلك، قد تنخفض أسعار الذهب الخام بينما تظل المصوغات مرتفعة نسبياً بسبب تكلفة التصنيع. كما يمكن لقوة الدولار أن تحد من أثر انخفاض السعر العالمي عند احتسابه بالدرهم.
الذهب لم يفقد بريقه.. لكنه ليس محصناً
لا يعني التصحيح الذي أعقب القمم التاريخية أن الذهب فقد دوره كأصل للتحوط، بل يكشف أن حركته أصبحت محكومة بمعادلة شديدة التعقيد.
فالحروب وعدم اليقين يدعمان الطلب عليه، لكن ارتفاع النفط والتضخم والفائدة والعوائد وقوة الدولار قد يدفع المستثمرين إلى البيع أو جني الأرباح، ولو بصورة مؤقتة.
الذهب، إذن، لم يفقد بريقه كملاذ آمن، لكنه ليس محصناً من تقلبات الأسواق. ولم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان دوره قد انتهى، بل أي العاملين سيفرض نفسه خلال المرحلة المقبلة: الخوف من الأزمات أم جاذبية الدولار والسندات؟




