دخل المنتخب المغربي مرحلة الحسابات الحاسمة في كأس العالم 2026، بعد أن وضع نفسه في موقع مريح داخل المجموعة الثالثة، لكنه في الوقت نفسه بات أمام معادلة دقيقة: التأهل مهم، غير أن ترتيب التأهل قد يحدد طبيعة الطريق في الدور المقبل.
ففي حال أنهى المنتخب الوطني دور المجموعات في المركز الثاني، فإن مساره قد يقوده إلى مواجهة ثقيلة أمام متصدر المجموعة السادسة، وهي المجموعة التي تضم هولندا واليابان والسويد وتونس.
وبالنظر إلى المعطيات الحالية داخل المجموعة السادسة، تبدو هولندا مرشحة بقوة لاحتلال الصدارة، خاصة بعد عرض هجومي قوي أعادها إلى الواجهة، وجعلها واحدة من المنتخبات التي لا يرغب أي منافس في الاصطدام بها مبكرا.
التأهل لا يكفي وحده
في بطولات كأس العالم، لا يكون العبور إلى الدور المقبل هو الهدف الوحيد. أحيانا يصبح ترتيب العبور بنفس أهمية التأهل نفسه.
فالمنتخب الذي يتأهل متصدرا لمجموعته قد يجد طريقا مختلفا تماما عن المنتخب الذي يعبر من المركز الثاني. وهذا ما يجعل مباراة المغرب الأخيرة أمام هايتي أكثر من مجرد لقاء لتأكيد الحضور في الدور المقبل.
المغرب يحتاج إلى نتيجة إيجابية، لكنه يحتاج أيضا إلى متابعة ما سيحدث في مباراة البرازيل واسكتلندا. لأن صدارة المجموعة لن تكون مرتبطة فقط بفوز الأسود، بل كذلك بفارق الأهداف وبنتيجة المنافس المباشر.
هنا تبدأ الحسابات الصعبة. فالمركز الأول قد يمنح المنتخب الوطني مسارا أقل ضغطا نسبيا، بينما قد تضعه الوصافة أمام خصم من العيار الثقيل مثل هولندا.
هولندا ليست خصما عاديا
الحديث عن احتمال مواجهة هولندا لا يعني الخوف، لكنه يعني احترام الواقع الكروي.
المنتخب الهولندي يملك تاريخا طويلا في كأس العالم، ومدرسة كروية معروفة بالسرعة، والتنظيم، والضغط العالي، والقدرة على التحكم في إيقاع المباريات. كما أن الجيل الحالي يجمع بين القوة البدنية، والجودة التقنية، والحضور التكتيكي.
مواجهة من هذا النوع في دور مبكر من الأدوار الإقصائية ستكون اختبارا كبيرا للمنتخب المغربي. ليس فقط لأنها أمام منتخب أوروبي قوي، بل لأنها مباراة لا تقبل التصحيح. خطأ واحد قد يكلف الكثير، وتفصيل صغير قد يغير مصير بطولة كاملة.
لذلك، فإن تفادي هولندا لا يجب أن يقرأ كنوع من التراجع، بل كجزء من ذكاء إدارة البطولة. فالمنتخبات الكبيرة لا تلعب فقط من أجل الفوز في مباراة واحدة، بل تدير مسارها كاملا بأقل قدر من المخاطر الممكنة.
المغرب يملك ما يقلق الكبار
مع ذلك، لا يدخل المنتخب المغربي هذه الحسابات من موقع الضعف.
فما قدمه الأسود في أول مباراتين أكد أن الفريق يملك شخصية واضحة، وقدرة على مجاراة منتخبات كبرى، وتنظيما دفاعيا وهجوميا يجعله صعب المراس. التعادل أمام البرازيل ثم الفوز على اسكتلندا منحتا المنتخب جرعة ثقة مهمة، وأظهرتا أنه ليس مجرد مشارك يبحث عن العبور، بل منتخب قادر على المنافسة.
كما أن المنتخب الوطني أظهر نضجا كبيرا في التعامل مع المباريات، خاصة من حيث التحكم في الإيقاع، والضغط عند الحاجة، وتدبير فترات الصعوبة دون فقدان التركيز.
هذه العناصر تجعل المغرب قادرا على مواجهة أي خصم، بما في ذلك هولندا. لكن في الوقت نفسه، يبقى من المنطقي أن يبحث المنتخب عن أفضل مسار ممكن، لأن كأس العالم لا تكافئ الشجاعة وحدها، بل تكافئ أيضا حسن تدبير التفاصيل.
مباراة هايتي أكبر من ظاهرها
على الورق، تبدو مباراة المغرب وهايتي فرصة لإنهاء دور المجموعات بقوة. لكن خطورتها تكمن في أن الجميع قد ينظر إليها باعتبارها مباراة سهلة، بينما الواقع في كأس العالم لا يعترف بهذه الحسابات.
المغرب مطالب بالفوز، ومطالب أيضا بتسجيل أكبر عدد ممكن من الأهداف إذا أراد تعزيز حظوظه في صدارة المجموعة، خاصة إذا ذهبت الحسابات إلى فارق الأهداف.
وهنا سيكون على الطاقم التقني أن يوازن بين أمرين: البحث عن نتيجة عريضة، وعدم السقوط في التسرع الذي قد يفتح مساحات للخصم. فالمباريات التي تبدو سهلة قبل بدايتها تتحول أحيانا إلى فخ عندما يفقد المنتخب صبره أو يبالغ في الاندفاع.
الأسود يحتاجون إلى بداية قوية، لكنهم يحتاجون أكثر إلى مباراة ذكية، فيها فعالية، وتركيز، وعدم استنزاف بدني غير محسوب قبل الدخول إلى مرحلة خروج المغلوب.
صدارة المجموعة هدف استراتيجي
من الناحية الرياضية، احتلال صدارة المجموعة سيكون أفضل سيناريو للمغرب.
ليس لأن الطريق سيصبح سهلا، فلا وجود لمباريات سهلة في الأدوار الإقصائية، ولكن لأن الصدارة تمنح المنتخب شعورا إضافيا بالقوة، وتبعده مبدئيا عن مواجهة متصدر مجموعة أخرى قد يكون في قمة جاهزيته.
كما أن الصدارة تحمل قيمة رمزية مهمة. منتخب تصدر مجموعة تضم البرازيل واسكتلندا وهايتي سيبعث رسالة قوية إلى باقي المنافسين: المغرب لم يأت للدفاع عن إنجاز سابق فقط، بل جاء ليؤكد أنه أصبح رقما ثابتا في الكرة العالمية.
وهذه الرسالة مهمة نفسيا وإعلاميا، لأنها تمنح المنتخب حضورا أكبر قبل بداية الدور المقبل.
هولندا.. اختبار مبكر أم نهائي قبل الأوان؟
إذا انتهى المغرب ثانيا ووجد نفسه أمام هولندا، فستكون المباراة أشبه بنهائي مبكر.
الهولنديون يملكون السرعة على الأطراف، والقوة في وسط الملعب، والقدرة على استغلال أنصاف الفرص. وهذا النوع من المنتخبات يفرض على المغرب أعلى درجات الانضباط، خاصة في التحولات الدفاعية وفي التعامل مع الكرات الثانية.
لكن المنتخب المغربي بدوره يملك أسلحة مهمة. لديه حارس قادر على منح الثقة، ودفاع يعرف كيف يغلق المساحات، ووسط ميدان يمكنه كسر الضغط، ولاعبون قادرون على صناعة الفارق في لحظة.
لذلك، فإن مواجهة هولندا، إن وقعت، لن تكون مستحيلة. لكنها ستكون صعبة، مكلفة، وتحتاج إلى نسخة قريبة من أفضل ما يملكه المنتخب المغربي.
الحسابات لا تلغي الطموح
قد يرفض البعض الحديث عن تفادي خصم معين، بحجة أن المنتخب الطامح يجب أن يكون جاهزا للجميع. وهذا صحيح من حيث المبدأ.
لكن كرة القدم الحديثة لا تُدار بالشعارات فقط. المنتخبات الكبرى تدرس المسارات، وتقرأ القرعة، وتحسب ترتيب المجموعات، وتتعامل مع كل تفصيل باعتباره جزءا من المنافسة.
المغرب مطالب بأن يفكر بهذا المنطق. ليس بمنطق الخوف من هولندا، بل بمنطق البحث عن أفضل طريق ممكن لمواصلة الحلم.
فالهدف لم يعد فقط تجاوز الدور الأول. بعد إنجاز قطر 2022، ارتفع سقف التوقعات، وأصبح الجمهور المغربي ينتظر من المنتخب أن ينافس بعقلية الكبار، لا أن يكتفي بفرحة العبور.
المغرب قريب من التأهل، لكنه لم يحسم بعد شكل الطريق الذي ينتظره. وإذا أنهى دور المجموعات في المركز الثاني، فقد يجد نفسه أمام مواجهة قوية جدا ضد هولندا، في اختبار مبكر لقدرة الأسود على مقارعة كبار أوروبا.
لذلك، تتحول مباراة هايتي إلى محطة حاسمة تتجاوز حسابات النقاط الثلاث. إنها مباراة من أجل المركز، ومن أجل المسار، ومن أجل تفادي طريق أكثر وعورة في الدور المقبل.
الأسود يملكون الجودة والثقة والطموح. لكن كأس العالم تحتاج أيضا إلى حساب بارد، وفعالية أمام المرمى، وقراءة دقيقة لكل احتمال.
ففي بطولة بهذا الحجم، قد يصنع هدف إضافي في دور المجموعات فارقا كبيرا في طريق الحلم.

