حين يصعد الفنان علي فايق إلى المنصة، لا يحتاج جمهور سوس إلى تقديم طويل لمعرفة صاحب الصوت الذي جمع بين رائحة فن الروايس وإيقاعات الموسيقى الحديثة.
فالرجل لم يكن مجرد مؤد لأغان أمازيغية ناجحة، بل كان واحدا من الفنانين الذين حاولوا منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي بناء جسر بين التراث الموسيقي السوسي وموسيقى العالم، دون أن يفقد هذا التراث لغته وروحه وخصوصيته.
لكن بعد مسار يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، يظل السؤال مشروعا: هل أنصفت جهة سوس ماسة علي فايق بما يناسب قيمته الفنية؟ أم أن الاعتراف به ظل محصورا في دعوات متفرقة إلى المهرجانات، وتكريمات تنتهي بانطفاء أضواء المنصة؟
من أيت ميلك إلى ذاكرة الأغنية الأمازيغية
وُلد علي فايق سنة 1965 بمنطقة أيت ميلك التابعة لإقليم اشتوكة أيت باها، ونشأ بمدينة الدشيرة الجهادية، التي شكلت خلال عقود فضاء خصبا للفنانين والموسيقيين والمهتمين بالأغنية الأمازيغية.
وسمحت له هذه البيئة بالاقتراب من عدد من الفنانين والنهل من تجارب الروايس والمجموعات الموسيقية السوسية، قبل أن يبني مساره الخاص بصفته مغنيا وملحنا ومؤلفا اشتغل على المزج بين الموسيقى التراثية والآلات والتوزيعات الحديثة.
ولم يتعامل علي فايق مع فن الروايس باعتباره مادة قديمة تصلح للاستعادة فقط، بل نظر إليه كموسيقى حية قادرة على التطور والتحاور مع الإيقاعات العالمية.
«أمارك فيزيون».. تجربة سبقت زمنها
برز اسم علي فايق بقوة مع تجربة «أمارك فيزيون»، التي أسسها رفقة عدد من الموسيقيين وتولى قيادتها.
وقدمت المجموعة تصورا موسيقيا يجمع بين الرباب ولوطار والإيقاعات السوسية من جهة، والآلات العصرية والتوزيع الحديث من جهة ثانية.
وأصبحت «أمارك فيزيون» مدرسة فنية خرج من رحمها موسيقيون وتجارب أخرى، من بينها «رباب فيزيون»، التي ضمت عددا من الأسماء التي سبق أن اشتغلت ضمن المجموعة الأم.
ويصف علي فايق تجربة «أمارك فيزيون» بأنها قنطرة ربطت بين جيل الثمانينيات والتسعينيات والأجيال الجديدة، بعدما قدمت عروضها داخل المغرب وخارجه ووسعت دائرة استقبال الموسيقى الأمازيغية.
فنان لا يكتفي بغناء التراث
بعد توقف تجربة «أمارك فيزيون»، واصل علي فايق مساره الفردي، قبل أن يؤسس سنة 2016 مجموعة «أمارك إكسبرينس».
وحملت التجربة الجديدة مهمة البحث في الذاكرة الموسيقية القديمة وإعادة تقديم أغان ومواد ظلت محفوظة في الأرشيف، بما في ذلك أعمال تعود إلى مراحل سبقت بروز الرايس الحاج بلعيد.
وبهذا المعنى، لم يكن فايق يغني التراث فقط، بل كان يمارس دور الباحث والحافظ والوسيط بين أجيال متباعدة.
فهو يستخرج المادة القديمة، يعيد ترتيبها موسيقيا، ثم يقدمها بلغة تسمح للشباب بالاقتراب منها دون تشويهها أو فصلها عن سياقها الأصلي.
حضور في تيميتار ومهرجانات الجهة
شارك علي فايق في عدد من التظاهرات الكبرى بجهة سوس ماسة، ومن بينها مهرجان «تيميتار» بأكادير، حيث كان ضمن فناني الدورة الحادية عشرة سنة 2014، إلى جانب أسماء أمازيغية ومغربية ودولية.
كما شارك سنة 2019 في تجربة الأوركسترا الفيلارمونية الأمازيغية التي جمعت نحو 80 موسيقيا ومغنيا على خشبة مسرح الهواء الطلق بأكادير، في تظاهرة دعمتها وزارة الثقافة ومجلس جهة سوس ماسة وجماعة أكادير ومؤسسات أخرى.
واستمر حضوره خلال السنوات الأخيرة، إذ شارك في مهرجان «تالكيتارت» بأكادير سنة 2025، وقدم عرضا موسيقيا جمع بين الآلات الأمازيغية والإيقاعات السوسية، وسط تفاعل جماهيري واسع.
كما كان ضمن برمجة مهرجان «إيمينيك» في السنة نفسها، ووصفته تغطيات المهرجان بالفنان الأمازيغي الكبير، إلى جانب مشاركته في عمل فني للترويج لاستعدادات أكادير لاحتضان التظاهرات الرياضية الدولية.
هل يكفي الحضور في المهرجانات؟
لا يمكن إنكار أن مشاركة علي فايق في هذه التظاهرات تمثل شكلا من أشكال الاعتراف بقيمته الفنية.
كما سبق أن حظي بتكريم في مدينة تيزنيت سنة 2017، وظل اسمه حاضرا ضمن لائحة الرموز الموسيقية التي احتفت بها المدينة في مبادراتها الثقافية.
لكن الإنصاف لا يقاس فقط بعدد المرات التي يظهر فيها الفنان على منصة، ولا بعدد الدروع التي يتسلمها في نهاية السهرة.
فالمنصة تمنح الفنان دقائق من الضوء، بينما الإنصاف الحقيقي يحفظ أعماله لعقود.
والتكريم يمنحه لحظة تصفيق، لكن السياسة الثقافية الجادة تمنحه فضاء للعمل، وإمكانيات للإنتاج، وأرشيفا موثقا، وشراكة تضمن انتقال تجربته إلى الأجيال الجديدة.
«دار الفن».. حين بنى الفنان مؤسسته بيديه
في مسقط رأسه بأيت ميلك، اختار علي فايق ألا ينتظر إنشاء مركز ثقافي يحمل رؤيته، فحول منزلا تقليديا مبنيا بالطين والخشب إلى فضاء فني وثقافي أطلق عليه اسم «دار الفن» أو «ARTIGMMI».
ويضم الفضاء آلات موسيقية أمازيغية وصورا لجيل الرواد ومقتنيات وقطعا تراثية، إلى جانب ساحة للعروض وفضاءات لاستقبال الفنانين والطلبة والباحثين والزوار من داخل المغرب وخارجه.
وأصبح المكان أشبه بمتحف حي للموسيقى والثقافة السوسية، يقدم فيه علي فايق شروحات حول المقامات والآلات والتراث الغنائي، إلى جانب عروض فنية ولقاءات بين موسيقيين محليين وأجانب.
وفي فبراير 2025، استقبلت الدار وفدا طلابيا من جامعة مونريال الكندية، حيث تعرف الزوار على الموسيقى الأمازيغية وآلاتها وطقوس الثقافة المحلية، قبل المشاركة في أنشطة رمزية مرتبطة بالأرض والبيئة.
مشروع جهوي بمجهود فردي
تكشف «دار الفن» عن مفارقة لافتة.
فالمشروع يؤدي أدوارا يفترض أن توجد داخل المؤسسات الثقافية: حفظ المقتنيات، توثيق الذاكرة، استقبال الباحثين، تنظيم العروض، التعريف بالتراث، وربط الثقافة بالسياحة القروية.
لكن هذه الأدوار يتحملها فنان بإمكانياته الخاصة وبمساعدة محدودة من محيطه.
وكانت «أكادير24» قد سجلت خلال زيارتها للفضاء أن بعض مرافق الدار لم تكتمل بعد، وأن المشروع يحتاج إلى الصيانة وأجور المتعاونين وتكاليف تنظيم اللقاءات.
كما أشارت المعطيات المتوفرة حينها إلى مساهمة مالية من مؤسسة منتخبة، لكنها لم تكن كافية لضمان استمرارية المشروع وتطويره.
هل أنصفته جهة سوس ماسة؟
الجواب يحتاج إلى التمييز بين مستويين.
على المستوى الرمزي والفني، نعم، نال علي فايق قدرا من الاعتراف. فقد شارك في مهرجانات كبرى، وحظي بتكريمات، وظهر ضمن تظاهرات دعمتها مؤسسات منتخبة وثقافية بالجهة.
لكن على المستوى المؤسساتي المستدام، لا تظهر المعطيات المتاحة أنه حصل على ما يوازي حجم تجربته ومشروعه.
لا تتوفر معلومات معلنة عن شراكة جهوية دائمة مع «دار الفن»، أو برنامج لتوثيق كامل أرشيفه، أو إنتاج عمل وثائقي مؤسساتي حول مساره، أو تحويل تجربته إلى مادة للتكوين الموسيقي داخل معاهد الجهة.
كما لا توجد، ضمن المصادر المنشورة التي أمكن الاطلاع عليها، معطيات عن جائزة جهوية كبرى تكرم مجمل مساره، أو برنامج سنوي يحمل اسمه لنقل خبرته إلى الموسيقيين الشباب.
لذلك يمكن القول إن الجهة احتفت بعلي فايق، لكنها لم تنصف تجربته بالكامل بعد.
التكريم لا يعوض السياسة الثقافية
تعاني الثقافة في سوس من ظاهرة متكررة: تستدعى الأسماء الكبيرة إلى المهرجانات، يصفق لها الجمهور، تلتقط الصور، ثم يعود كل فنان إلى مواجهة تكاليف الإنتاج والتوثيق والحفاظ على تراثه بمفرده.
ولا تخص هذه الإشكالية علي فايق وحده، بل تمتد إلى عدد من الروايس والمجموعات والفنانين الذين صنعوا الهوية الموسيقية للجهة، دون أن تتحول تجاربهم إلى أرشيف منظم ومتاح للباحثين والجمهور.
إنصاف علي فايق لا يعني تفضيله على غيره، بل اتخاذ تجربته نموذجا لبناء سياسة جهوية تحمي الفنان وهو ما يزال قادرا على العطاء، بدل انتظار المرض أو الغياب لتنظيم حفل تأبين كبير.
ماذا يمكن أن تقدم الجهة لعلي فايق؟
يمكن أن يبدأ الإنصاف الحقيقي بإبرام اتفاقية متعددة السنوات بين مجلس الجهة والمؤسسات الثقافية و«دار الفن»، تشمل استكمال تجهيز الفضاء وصيانته وتنظيم برنامج سنوي للزيارات والإقامات والورشات.
كما يمكن إطلاق مشروع لجمع أرشيف «أمارك فيزيون» و«أمارك إكسبرينس»، ورقمنة التسجيلات والصور والوثائق والشهادات المرتبطة بالتجربتين.
ويستحق مساره أيضا إنتاج فيلم وثائقي وكتاب موسيقي، إلى جانب تسجيل أعماله القديمة بجودة حديثة، حتى لا تظل أجزاء من هذا الرصيد موزعة بين أشرطة قديمة ومنشورات متفرقة على الإنترنت.
أما الخطوة الأهم، فتتمثل في تمكينه من تأطير جيل جديد من الفنانين والعازفين، من خلال إقامة فنية أو أكاديمية صيفية تحمل اسمه وتقام داخل «دار الفن».
حين يتحول الفنان إلى مؤسسة
القيمة الحقيقية لعلي فايق لا توجد في صوته وحده، بل في الأدوار التي جمعها داخل مسار واحد.
فهو مغن وملحن ومؤلف وباحث في الذاكرة الموسيقية، ومؤسس مجموعات، وصاحب فضاء ثقافي، وفاعل يفتح باب التراث أمام طلبة وباحثين وزوار أجانب.
وحين يصل الفنان إلى هذه المرحلة، لا يعود التعامل معه باعتباره اسما ضمن فقرة فنية كافيا.
لقد تحول علي فايق، بمبادراته وتجربته، إلى مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها، حتى وإن لم تمنحه المؤسسات بعد الوسائل التي تليق بهذه الصفة.
الإنصاف قبل فوات الأوان
لا يحتاج علي فايق اليوم إلى تكريم جديد فوق منصة تنطفئ أضواؤها في نهاية السهرة.
ما يحتاجه هو أن يصبح رصيده جزءا من الذاكرة الرسمية للجهة، وأن تحظى «دار الفن» بضمانات الاستمرار، وأن تتحول خبرته إلى مدرسة يستفيد منها الشباب.
فالفنان الذي أمضى عقودا في حفظ موسيقى سوس، وبنى بيديه فضاء لحماية تراثها، يستحق أكثر من الحضور المناسباتي.
لقد منح علي فايق الجهة صوته ووقته وخبرته وبيته.
ويبقى السؤال الآن موجها إلى المؤسسات: ماذا ستمنحه الجهة، غير التصفيق؟

