لم يعد الطريق السريع تيزنيت–الداخلة مجرد ورش مفتوح في خرائط التجهيز، بل تحول، في معظمه، إلى محور طرقي عملي يربط شمال المملكة بجنوبها، ويضع جهة سوس ماسة، وخاصة أكادير، أمام مرحلة جديدة في حركة السير والنقل والعبور نحو الأقاليم الجنوبية.
هذا المشروع، الذي يندرج ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، لا يمكن اختزاله في توسيع طريق وطنية. إنه إعادة ترتيب لمحور استراتيجي ظل لسنوات ممرا صعبا أمام مستعملي الطريق، خصوصا شاحنات نقل البضائع، ومهنيي النقل، والمسافرين بين أكادير وكلميم والعيون والداخلة.
وحسب معطيات وزارة التجهيز والماء، يمتد الطريق السريع تيزنيت–الداخلة على حوالي 1055 كيلومترا، بكلفة إجمالية تتجاوز 9 ملايير درهم، ويتكون من ثلاثة محاور رئيسية: تيزنيت–كلميم بطول 114 كيلومترا، وكلميم–العيون بطول 436 كيلومترا، ثم العيون–الداخلة بطول 500 كيلومتر.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن أزيد من 960 كيلومترا من أصل 1055 كيلومترا جرى إنهاؤها وفتحها أمام حركة المرور، بعد استكمال أشغال التشوير وتجهيزات السلامة الطرقية، وهو ما يعني أن الجزء الأكبر من المشروع أصبح يؤدي وظيفته على الأرض، ولم يعد مجرد نسبة تقدم تقنية.
هذا التحول انعكس مباشرة على طريقة التنقل بين سوس ماسة والأقاليم الجنوبية، بعدما كانت الرحلات الطويلة تمر عبر مقاطع ضيقة أو كثيرة الضغط أو صعبة التجاوز، خاصة بالنسبة للشاحنات والحافلات والسيارات المتجهة نحو كلميم والعيون والداخلة.
تقنيا، يقوم المشروع على تهيئة وتوسعة الطريق الوطنية رقم 1، والرفع من مستوى السلامة والانسيابية والجودة، بما يسمح بتقليص زمن التنقل وتحسين شروط السير على محور طويل وحيوي بالنسبة للاقتصاد الوطني.
كما عرف الورش إدخال منشآت فنية كبرى، من بينها جسر على وادي الساقية الحمراء بطول 1725 مترا، يوصف بأنه الأطول على الصعيد الوطني، إضافة إلى مدارات كبرى بالمدن التي يمر منها المحور، و15 منشأة فنية كبرى لتحسين شروط العبور والسلامة.
ولا تمثل هذه المنشآت تفاصيل تقنية فقط، بل تعني تقليص نقاط الاحتكاك بين حركة السير المحلية والحركة العابرة، وتخفيف الضغط عن مداخل المدن، والحد من مخاطر الحوادث في نقاط التقاطع التي كانت تشكل مصدر قلق دائم للسائقين.
ورغم فتح أغلب المقاطع أمام السير، فإن المشروع لم يغلق كل ملفاته بشكل كامل، إذ تبقى بعض الأشغال التكميلية والمنشآت الفنية والطرق المرافقة في حاجة إلى استكمال، خصوصا في النقاط المرتبطة بالربط الأوسع نحو العمق الإفريقي ومعبر الكركرات.
بالنسبة لأكادير، لا يمكن قراءة الطريق السريع تيزنيت–الداخلة كطريق بعيد يبدأ من تيزنيت فقط. فكل حركة قادمة من شمال المملكة في اتجاه كلميم والعيون والداخلة تمر، بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر المجال الطرقي لأكادير الكبير.
وهنا يظهر وجهان للمشروع: فرصة اقتصادية من جهة، وضغط مروري إضافي من جهة ثانية.
من حيث الفرص، يعزز هذا المحور موقع أكادير كبوابة طبيعية نحو الأقاليم الجنوبية، ويقوي دورها كمنصة عبور وخدمات في مجالات النقل، اللوجستيك، الصيانة، محطات الوقود، المطاعم، التخزين، والفندقة.
أما من حيث الضغط، فإن تحسن الطريق نحو الجنوب يجعل مداخل أكادير ومحيطها أمام حركة عبور أكبر، خاصة في فترات الذروة والعطل ومواسم السفر وحركة الشاحنات القادمة من الشمال نحو الجنوب أو العكس.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع الطريق السيار المداري لأكادير، الذي ينتظر أن يربط الطريق السيار مراكش–أكادير بالطريق السريع تيزنيت–الداخلة، على مسافة تناهز 85 كيلومترا، في حال انتقاله من مرحلة الدراسات التقنية إلى مرحلة الإنجاز الفعلي.
هذا الطريق المداري، إذا تقدم بالشكل المطلوب، سيكون حلقة حاسمة لتخفيف الضغط عن المحاور الحضرية وشبه الحضرية لأكادير، لأنه سيوفر مسارا التفافيا لحركة العبور الثقيلة بدل دفعها نحو مداخل المدينة ومحاور إنزكان وآيت ملول والمطار وتيزنيت.
بعبارة أوضح، الطريق السريع تيزنيت–الداخلة حل جزءا كبيرا من معضلة التنقل جنوب تيزنيت، لكنه جعل الحاجة أكثر إلحاحا إلى تسريع الربط المداري حول أكادير، حتى لا تتحول المدينة إلى عنق زجاجة بين الطريق السيار القادم من مراكش والطريق السريع المتجه نحو الداخلة.
ويظهر أثر المشروع، أولا، في الرحلات الطويلة. فالسائق القادم من أكادير في اتجاه كلميم أو العيون يستفيد اليوم من مقاطع أوسع وأكثر تجهيزا، مع تشوير ومدارات ومنشآت فنية حسنت ظروف السير مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا.
كما يستفيد النقل المهني من هذا التحول، إذ تساهم الطريق في تقليص التوقفات والاختناقات وتحسين انتظام نقل البضائع نحو الأقاليم الجنوبية، وهو ما ينسجم مع هدف المشروع في تقليص مدة وكلفة السفر وتحسين السلامة الطرقية.
لكن الأثر الثالث، والأكثر حساسية محليا، يهم أكادير نفسها. فكلما أصبحت الطريق نحو الجنوب أكثر جاذبية وسلاسة، ارتفعت أهمية تنظيم حركة العبور قبل دخول المجال الحضري، خصوصا بالنسبة للشاحنات والحافلات والمركبات القادمة من محور مراكش في اتجاه الجنوب.
اقتصاديا، لا يقتصر أثر المشروع على الإسفلت والمنشآت الفنية. فقد ساهم الورش، خلال فترة الإنجاز، في إحداث 2.5 مليون يوم عمل، وينتظر أن يساهم بعد الإنجاز في 30 ألف يوم عمل مباشر سنويا، و150 ألف يوم عمل غير مباشر سنويا.
هذه الأرقام تكشف أن الطريق ليس مجرد بنية تحتية، بل رافعة اقتصادية طويلة النفس. فكلما تحسنت شروط التنقل، تراجعت كلفة النقل، وارتفعت جاذبية الاستثمار، وتعزز الربط بين سوس ماسة وكلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب.
ولم يكن تنفيذ المشروع سهلا، فقد واجهت الأشغال عدة إكراهات، من بينها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع أسعار وندرة بعض المواد الأساسية، وصعوبات تقنية وطبيعية مرتبطة بالحرارة والعواصف الرملية، إضافة إلى تحويل شبكات الاتصالات والماء والكهرباء، واقتناء الأراضي، وتعثر بعض الشركات.
هذه العوامل تفسر طول زمن الإنجاز، وتبرز في الوقت نفسه حجم المشروع وتعقيداته، خاصة أنه يمر عبر مجالات واسعة ومناخية صعبة، ويستهدف تحويل محور وطني طويل إلى طريق أكثر أمنا وانسيابية.
المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على إنهاء آخر التفاصيل التقنية، بل يجب أن تركز على أربعة رهانات أساسية: تسريع الدراسات المرتبطة بالطريق المداري لأكادير، تقوية مراقبة السلامة الطرقية، توفير خدمات ومناطق استراحة ملائمة على طول المحور، وتتبع أثر المشروع على مداخل أكادير وإنزكان وآيت ملول.
فالطرق السريعة تقلص زمن السفر، لكنها قد ترفع خطورة الحوادث إذا غابت المراقبة واليقظة، خصوصا في المسافات الطويلة. كما أن جودة الطريق لا تكتمل دون خدمات مرافقة للسائقين والمهنيين، من محطات استراحة وصيانة ووقود وإرشاد.
خلاصة القول إن الطريق السريع تيزنيت–الداخلة أصبح واحدا من أكبر التحولات الطرقية التي عرفها جنوب المغرب خلال السنوات الأخيرة. مشروع يمتد على 1055 كيلومترا، بكلفة تتجاوز 9 ملايير درهم، وفُتح أكثر من 960 كيلومترا منه أمام حركة السير، مع استمرار بعض الأشغال التكميلية.
وبالنسبة لأكادير، يحمل هذا المشروع فرصة واضحة لتعزيز موقعها كبوابة نحو الأقاليم الجنوبية، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام تحد مروري جديد: كيف تستفيد من هذا الربط الاستراتيجي دون أن تتحول إلى نقطة اختناق بين شمال المملكة وجنوبها؟
الطريق نحو الداخلة أصبح أكثر انسيابية. أما الرهان الآن، فهو أن تواكب أكادير هذا التحول ببنية ربط مدارية وتنظيم مروري يليق بدورها الجديد في قلب محور شمال–جنوب.

