بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
لماذا نحرص في جمعية المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية على تنظيم “ليلة التميز” للاحتفاء بالطلبة الأفارقة المتخرجين من مؤسسات التعليم العالي بمدينة أكادير؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد حفل تكريمي يطوي صفحة سنوات من الدراسة، أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليحمل رؤية أعمق، ورسالة تمتد آثارها إلى مستقبل العلاقات المغربية الإفريقية؟
قد يعتقد البعض أن الاحتفاء بطلبة أنهوا مسارهم الأكاديمي لا يعدو أن يكون تقليدًا اعترافًا بما بذلوه من جهد، لكننا في الجمعية ننظر إلى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا. فنحن لا نحتفل بنهاية مرحلة، بل نؤمن بأننا نشارك في بداية مرحلة جديدة، عنوانها صناعة جسور دائمة بين المغرب وإفريقيا، يكون عمادها الإنسان قبل أي شيء آخر.
لقد استلهمنا هذه المبادرة من التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من إفريقيا عمقًا استراتيجيًا للمملكة، ومن التعاون جنوب–جنوب خيارًا ثابتًا، قائمًا على التضامن، وتقاسم الخبرات، والاستثمار في الإنسان الإفريقي. ولم تكن هذه الرؤية يومًا مجرد خطاب سياسي، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يجد صداه في كل المبادرات التي تجعل الإنسان في صلب التنمية والتقارب بين الشعوب.
ومن هذا المنطلق، جعلنا في جمعية المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية من “ليلة التميز” موعدًا سنويًا للاحتفاء بالطلبة الأفارقة المتخرجين، إيمانًا منا بأن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الحجر، وإنما من الإنسان، وأن الطالب الذي يغادر المغرب محملًا بالعلم والاحترام والتقدير، لا يعود إلى وطنه خريجًا فقط، بل يعود سفيرًا للمحبة، وشاهدًا على تجربة إنسانية سترافقه طوال حياته.
إن الطالب الإفريقي الذي عاش بيننا سنوات الدراسة، وتقاسم معنا مقاعد العلم، واكتشف المجتمع المغربي عن قرب، لا يحمل معه عند عودته شهادة جامعية فحسب، بل يحمل أيضًا ذاكرة مليئة بالتجارب الإنسانية، وصورة صادقة عن بلد احتضنه، وفتح له أبواب المعرفة، وأشعره بأنه بين أهله وإخوانه. وهذه الصورة هي التي تتحول مع مرور الزمن إلى رصيد استراتيجي لا يمكن شراؤه بالمال ولا تحقيقه عبر الخطابات الرسمية.
ومن هنا، فإننا نعتبر أن الدبلوماسية الطلابية هي من أرقى أشكال الدبلوماسية وأكثرها استدامة. فهي لا ترتبط بتغير الحكومات، ولا تتأثر بتقلبات السياسة أو المصالح الآنية، لأنها تقوم على المعرفة، والاحترام، والوفاء، والذكريات المشتركة. إنها دبلوماسية تصنعها قاعات الدراسة أكثر مما تصنعها قاعات المؤتمرات، وتبنيها العلاقات الإنسانية أكثر مما تبنيها البروتوكولات الرسمية.
ولعل أجمل ما في هذه الدبلوماسية أنها لا تنتهي بانتهاء سنوات الدراسة، بل تبدأ بعدها. فالطالب الذي يتلقى تكوينًا جيدًا، ويحظى بمعاملة كريمة، ويشعر بأنه موضع تقدير، سيحمل تلك التجربة معه أينما ذهب. وحين يصبح غدًا وزيرًا، أو سفيرًا، أو برلمانيًا، أو أستاذًا جامعيًا، أو رجل أعمال، أو قائدًا في مجتمعه، ستظل صورة المغرب التي عاشها حاضرة في وجدانه، وستنعكس على رؤيته لعلاقات بلده بالمملكة.
إننا في جمعية المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية لا ننظر إلى هذه المبادرة باعتبارها نشاطًا جمعويًا عابرًا، بل باعتبارها مساهمة مدنية في ترسيخ الدبلوماسية الموازية، وفي خدمة الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز حضور المغرب في عمقه الإفريقي من خلال الثقافة، والتعليم، والتواصل الإنساني. فالقوة الناعمة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالثقة، والثقة تُصنع حين يشعر الإنسان بأنه كان موضع احترام وتقدير.
لقد علمتنا سنوات العمل مع الطلبة الأفارقة أن الكلمة الطيبة، والاحتضان، والوفاء، قد تفتح من أبواب التقارب ما تعجز عنه سنوات من العمل الدبلوماسي التقليدي. فكم من طالب عاد إلى وطنه يحمل حبًا صادقًا للمغرب، ويدافع عنه في محيطه، ويشجع غيره على الدراسة فيه، ويؤمن بأن مستقبل إفريقيا لا يمكن أن يُبنى إلا بالتعاون بين أبنائها.
ولهذا، فإننا نرى أن الاحتفاء بالطلبة الأفارقة ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو استثمار بعيد المدى في نخبة القارة، ورسالة وفاء لمن اختاروا المغرب محطةً في مسارهم العلمي، ورسالة ثقة بأنهم سيكونون، في المستقبل، شركاء في بناء إفريقيا أكثر تكاملًا وتضامنًا.
وفي زمن تتنافس فيه الدول على النفوذ، نختار نحن أن نستثمر في الإنسان، لأنه الاستثمار الذي لا يخسر أبدًا. فالمشاريع قد تنتهي، والاتفاقيات قد تتغير، أما الإنسان الذي غادر هذا البلد وهو يحمل في قلبه المحبة والامتنان، فإنه يبقى أعظم رصيد، وأصدق سفير، وأقوى جسر بين الشعوب.
لسنا نكرم طلبةً أنهوا مسارهم الدراسي، بل نودّع سفراءً جددًا للمغرب في إفريقيا. ولسنا نوزع شواهد تقدير، بل نغرس في ذاكرة نخبة القارة رسالةً ستكبر مع السنوات: أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، لا يبني علاقاته مع إفريقيا بمنطق المصالح العابرة، بل بمنطق الأخوة الصادقة، والاستثمار في الإنسان، والإيمان بالمستقبل المشترك. وهكذا تُصنع الدبلوماسية التي لا تموت؛ لأنها لا تعيش في الوثائق الرسمية، بل في قلوب الرجال والنساء الذين حملوا معهم من المغرب علمًا، ووفاءً، وذكرى لا تُنسى.




