في كل عيد أضحى، تتحول الأحياء المغربية إلى فضاءات نابضة بالحركة والحيوية. ومع انتهاء صلاة العيد، ينتشر الجزارون في مختلف الأحياء والأزقة من أجل القيام بعمليات ذبح الأضاحي، في مشهد سنوي يطبع صباح العيد بطابع خاص يجمع بين الشعيرة الدينية والأجواء الاجتماعية المغربية الأصيلة.
لكن مع حلول عصر يوم العيد، تنطلق واحدة من أكثر المهن الموسمية استنفاراً وحيوية: مهنة الجزارة وتقطيع الأضاحي، التي تشتغل دون توقف، وكأن العيد يمنحها حياة استثنائية لا تعرف النوم.
ففي المدن المغربية من طنجة إلى الكويرة، تواصل محلات الجزارة وورشات تقطيع اللحوم عملها منذ عصر يوم العيد إلى غاية مساء اليوم الثاني، بل إن بعضها يستمر لأيام إضافية، وسط إقبال كثيف من الأسر الراغبة في تجهيز أضاحيها. وأصبحت الطوابير الطويلة أمام محلات الجزارة من أبرز مشاهد “العيد الكبير” خلال السنوات الأخيرة.
الجزار، الذي كان دوره في السابق يقتصر أساساً على الذبح، تحول اليوم إلى عنصر محوري داخل منظومة خدمات موسمية متكاملة؛ إذ لم تعد الأسر تطلب فقط الذبح، بل أيضاً التقطيع، والتنظيف، وفرز اللحوم، وتجهيزها للتخزين أو الطهي. ومع تغير نمط العيش داخل المدن، أصبحت العديد من الأسر تفضل نقل الأضحية إلى الجزار عوض القيام بكل تلك المهام داخل المنزل.
ويؤكد مهنيون أن هذا التحول فرض إيقاعاً مرهقاً للعمل خلال أيام العيد، حيث تشتغل بعض المحلات لساعات طويلة قد تمتد أحياناً إلى الليل دون توقف، مع الاستعانة بعمال إضافيين وآلات تقطيع حديثة لمواكبة الطلب المتزايد. وفي عدد من الأحياء، يتحول محل الجزارة إلى ما يشبه خلية نحل، تختلط فيه أصوات آلات التقطيع بحركة الزبائن .
هذا الازدهار اللافت للمهنة يعكس أيضاً تحولات اجتماعية واضحة داخل المجتمع المغربي. فالكثير من المهام التي كانت تُنجز قديماً داخل البيت وبمشاركة جماعية من أفراد الأسرة، أصبحت اليوم خدمات مهنية مؤدى عنها. كما أن طبيعة السكن العصري، وضيق الوقت، وتراجع الخبرة التقليدية لدى بعض الأسر، كلها عوامل ساهمت في بروز “الجزارة الموسمية” كقطاع اقتصادي مؤقت لكنه شديد الحيوية خلال فترة العيد.
ورغم الطابع المهني الذي بات يميز هذه الخدمة، فإنها ما تزال تحتفظ ببعد اجتماعي خاص، إذ يتحول الجزار خلال العيد إلى شخصية محورية داخل الحي، يعرفه الجميع ويقصدونه منذ الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل. وبين التعب والإرهاق، يواصل هؤلاء عملهم لتلبية الطلب المتزايد، في مهنة لا تنام إلا بانتهاء آخر قطعة لحم وآخر زبون يغادر المحل.
هكذا لم يعد عيد الأضحى في المغرب مجرد مناسبة دينية وعائلية فقط، بل أيضاً موسماً اقتصادياً واجتماعياً يبعث الحياة في مهن موسمية ظلت تقاوم الزمن، وعلى رأسها مهنة الجزارة، التي تؤكد كل سنة قدرتها على التكيف مع تحولات المجتمع المغربي، حتى أصبحت بالفعل “مهنة العيد التي لا تنام”.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله