أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر، في تصعيد جديد يهدد بزيادة اضطراب الملاحة البحرية وتوسيع دائرة المخاوف المرتبطة بإمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج.
وجاء الإعلان في وقت متأخر من مساء السبت 11 يوليوز بالتوقيت المغربي، وفجر الأحد 12 يوليوز بالتوقيت الإيراني، بعدما قالت بحرية الحرس الثوري إنها أطلقت طلقة تحذيرية باتجاه سفينة حاولت، وفق الرواية الإيرانية، عبور المضيق من مسار غير معتمد.
ولا يعني الإعلان الإيراني، في حد ذاته، توفر تأكيد مستقل بأن جميع السفن توقفت فوراً عن العبور، لكن حركة ناقلات النفط كانت قد وصلت بالفعل إلى مستوى قريب من التوقف خلال الأيام السابقة، وسط تصاعد المخاطر الأمنية وتبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة.
طلقة تحذيرية تسبق إعلان الإغلاق
بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن وسائل إعلام رسمية إيرانية، قالت بحرية الحرس الثوري إن قرار الإغلاق جاء بعد محاولة سفينة استخدام مسار لم توافق عليه السلطات الإيرانية.
ولم تتضمن الإفادة الأولية تفاصيل كافية بشأن اسم السفينة أو جنسيتها أو وجهتها، كما لم يصدر على الفور تأكيد مستقل لرواية الحرس الثوري بشأن ظروف الحادث.
ويعكس الخلاف حول المسارات البحرية جوهر الأزمة الحالية، إذ تتمسك إيران بحقها في تنظيم المرور ومراقبة السفن، بينما تعتبر الولايات المتحدة ودول أخرى أن المضيق ممر دولي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الملاحة دون اشتراط موافقة إيرانية مسبقة.
لماذا يُعد مضيق هرمز بالغ الأهمية؟
لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر بحري إقليمي، بل يعد من أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في تجارة الطاقة العالمية.
وقبل اندلاع المواجهة الحالية، كان نحو خُمس النفط والغاز المتداول عالمياً يمر عبر المضيق، ما يجعل أي اضطراب فيه مؤثراً بصورة مباشرة على شركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة والاقتصادات المستوردة للنفط.
وترتبط بالمضيق صادرات نفطية وغازية كبيرة من دول الخليج، وهو ما يفسر القلق الدولي من أن يتحول الإغلاق المعلن إلى تعطيل طويل أو إلى سلسلة من المواجهات بين القوات الإيرانية والسفن التجارية والعسكرية.
حركة الناقلات كانت شبه متوقفة قبل الإعلان
سبق إعلان الحرس الثوري تراجع حاد في حركة ناقلات النفط عبر المضيق. وأفادت رويترز، يوم 9 يوليوز، بأن ناقلتين فقط رُصدتا وهما تعبران خلال الساعات الأولى من ذلك اليوم، فيما لجأت سفن أخرى إلى إطفاء أجهزة التتبع العامة، ما جعل تحديد العدد الحقيقي للعابرين أكثر صعوبة.
وقال خبراء في قطاع الطاقة إن حركة الناقلات أصبحت شبه متوقفة، وهو ما يعكس مستوى المخاطر الذي باتت شركات الشحن تتعامل معه، بصرف النظر عن التصريحات الرسمية الصادرة من واشنطن أو طهران.
وبذلك، يأتي إعلان الإغلاق ليضفي طابعاً رسمياً أكثر حدة على وضع ميداني كان يشهد بالفعل اضطراباً واسعاً وتردداً من جانب السفن في دخول المنطقة.
النفط أمام موجة جديدة من المخاطر
من شأن أي تعطيل طويل لمضيق هرمز أن يزيد المخاوف من نقص الإمدادات وتأخر وصول الشحنات، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري.
ولا تنتظر الأسواق حدوث توقف كامل حتى تتفاعل، إذ يكفي تصاعد احتمال استهداف الناقلات أو احتجازها أو إجبارها على تغيير مسارها لرفع علاوة المخاطر المرتبطة بالنفط القادم من الخليج.
ويظل حجم التأثير الفعلي مرتبطاً بمدة الإغلاق، وعدد السفن التي ستتمكن من العبور، وموقف القوات الأمريكية والدولية، وقدرة المنتجين على استعمال خطوط أنابيب ومنافذ بديلة.
إيران وواشنطن تختلفان حول من يحدد مسارات العبور
تريد الولايات المتحدة من إيران إصدار تعهد علني بأن المضيق مفتوح أمام الملاحة، وأن السفن لن تتعرض للهجوم أو تُجبر على الحصول على موافقة خاصة قبل العبور.
في المقابل، تصر طهران على أن مرور السفن يجب أن يتم وفق آليات ومسارات تنسقها الجهات الإيرانية، وهو ما تعتبره واشنطن محاولة لفرض سيطرة إيرانية على ممر دولي.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أجرى مباحثات مع نظيره العماني حول آليات ضمان المرور الآمن للسفن، بينما أعلنت سلطنة عمان استمرار المشاورات على المستويين السياسي والتقني.
المنظمة البحرية الدولية ترفض فرض السيطرة الإيرانية
قبل إعلان الإغلاق بساعات، دعا مجلس المنظمة البحرية الدولية الدول إلى عدم الاعتراف بمحاولات إيران فرض السيادة أو التحكم في حركة الملاحة داخل المضيق.
وأدان المجلس إنشاء هيئة إيرانية تسعى، وفق نص القرار غير الملزم، إلى مراقبة حركة السفن، مطالباً بعدم الاعتراف بأي قرارات تستهدف إغلاق الملاحة الدولية أو عرقلتها.
في المقابل، دافعت إيران عن إجراءاتها باعتبارها تدابير تهدف إلى حماية السلامة البحرية وتنظيم المرور في ظل الأوضاع الأمنية المتوترة.
مقترحات أوروبية وعُمانية لتجنب الانفجار
تبحث أطراف أوروبية وإقليمية مقترحات تتيح تقديم خدمات ملاحية ممولة بمساهمات غير إلزامية، على غرار آليات مطبقة في ممرات بحرية أخرى، في محاولة لتجنب فرض رسوم إجبارية أو منح إيران سلطة منفردة على العبور.
وتتمسك سلطنة عمان بأن القانون الدولي يضمن حق المرور العابر، ولا يسمح بفرض رسوم إجبارية على السفن لمجرد استخدامها المضيق، مع إمكانية تطوير ترتيبات طوعية مرتبطة بالسلامة والإنقاذ ومواجهة الحوادث البحرية.
لكن إعلان الإغلاق يهدد بتقويض هذه الجهود، وقد يدفع الوسطاء إلى تكثيف تحركاتهم لمنع تحول الخلاف حول المسارات والرسوم إلى مواجهة عسكرية أوسع.
هل تستطيع إيران إبقاء المضيق مغلقاً؟
تملك إيران قوات بحرية وزوارق سريعة وصواريخ وطائرات مسيرة تمنحها قدرة كبيرة على تهديد السفن ورفع تكلفة الملاحة.
لكن فرض إغلاق كامل ومستمر يمثل خطوة شديدة الخطورة، لأنه قد يستدعي رداً عسكرياً واسعاً، كما يمكن أن يضر بالصادرات الإيرانية نفسها ويزيد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على طهران.
ولهذا، قد يكون الإعلان جزءاً من سياسة ضغط تهدف إلى فرض شروط جديدة على المفاوضات ومسارات العبور. غير أن تزايد الحوادث وإطلاق النار يرفع احتمال خروج التصعيد عن السيطرة، حتى إن كان الهدف الأصلي سياسياً وتفاوضياً.
دول الخليج تراقب التطورات بقلق
تجد دول الخليج نفسها في قلب الأزمة، بحكم اعتماد جزء كبير من صادراتها النفطية والغازية على استقرار الملاحة في مضيق هرمز.
وأي تعطيل مطول قد يؤثر على الموانئ وشركات الطاقة وسلاسل الإمداد، كما يمكن أن يدفع الدول المستوردة إلى البحث بصورة أسرع عن بدائل طويلة الأمد، بما فيها خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق.
ولا يقتصر التأثير على المنطقة، إذ تعتمد اقتصادات آسيوية وأوروبية كبرى على تدفق الطاقة من الخليج، ما يجعل مستقبل المضيق قضية دولية تتجاوز الصراع الإيراني الأمريكي.
إعلان إيراني والعالم يترقب التطبيق
المؤكد حتى الآن هو أن بحرية الحرس الثوري أعلنت إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر، وربطت القرار بحادث سفينة قالت إنها حاولت استعمال مسار غير مرخص.
لكن حجم الإغلاق الفعلي ومدته وطبيعة الاستجابة الأمريكية والدولية لا تزال أسئلة مفتوحة، خصوصاً أن حركة الناقلات كانت مضطربة وشبه متوقفة قبل الإعلان الرسمي.
وبين إصرار إيران على التحكم في المسارات، وتمسك واشنطن وحلفائها بحرية الملاحة، يدخل مضيق هرمز مرحلة شديدة الحساسية، قد تحدد تطوراتها المقبلة اتجاه أسعار الطاقة ومستقبل المواجهة في الخليج.



